كنوز الكلمة الإلهيّة

    كان القدّيس يوحنّا الذهبي الفم يحب كلمة الله بشكل يفوق الوصف.. ومعظم وقته كان يقرأ فيها ويتلذّذ بها ويعلّم الآخرين..

    في هذا المقال انتقيت بعضًا من أحاديثه العذبة عن كلمة الله، ومقدار الغِنى المخبوء فيها..

    + ستجدون أنّ الكتابَ مليءٌ بخبراتٍ لا تُحصَى.. إن وقعتَ في تجارب، فستأخُذ من الكتاب المقدّس عزاءً كثيرًا. وإن سقطتَ في خطايا، ستجد فيه أدوية لا حصر لها. وإن سقطتَ في براثن الفقر، أو في ضيقة، فسترى موانئَ كثيرة. وإن كنتَ بارًّا، فستنعَم هناك بالأمان. وإن كنتَ خاطئًا فستربح عزاءً كبيرًا..

    + إن كنتَ بارًّا وتعاني من مآسٍ، ستسمعه يقول: "لأنّنا من أجلِكَ نُمات اليوم كلّه. قد حُسبنا مثل غنمٍ للذبح. هذا كلّه جاء علينا، وما نسيناك ولا خُنّا عهدك" (مز44: 22، 18).

    + إن كانت إنجازاتك تجعلك تفتخر، ستسمعه يقول: "لا تدخل في المحاكمة مع عبدك، فإنّه لن يتبرّر قدّامك حيّ" (مز 143: 2)، وستتواضع على الفور.

    + إن كنتَ خاطئًا وفي حالة يأس، ستسمعه وهو يرنّم باستمرار: "اليومَ إن سمعتم صوته، فلا تُقسّوا قلوبكم، كما في مَريبة" (مز95: 7، 8)، وستقف بسرعة منتصبًا.

    + إن كنتَ تحمل إكليلاً فوق رأسك، وتنظر غلى ذاتك بإعجاب كبير، ستعلَم إنّه "لن يَخلُص الملك بكثرة الجيش. الجبّار لا يُنقَذ بعِظَم القوّة" (مز33: 16)، وعندئذ يمكن أن تكون متواضعًا.

    + إن كنتَ غنيًّا ومُمَجَّدًا، ستسمعه أيضًا وهو يرنّم ويوجِّه الويل للذين: "يتكلّمون عن ثروتهم، وبكثرة غناهم يفتخرون.. الإنسان مثل العُشب أيّامه.. عند موته كلّه لا يأخُذ، لا ينزل وراءه مجده" (مز49، 103)، فلن تعتبر أنّ هناك شيءعظيم من الأمور الأرضيّة..

    + عندما تكون في ضيق، اسمعه وهو يقول: "لماذا أنتِ منحنية يا نفسي؟ ولماذا تئنّين فيّ؟ ترجّي الله لأنّي بعدُ أحمده" (مز42: 11).

    + هل ترى أنّ الناس يحيون في رفاهية دون أن يستحقّوا؟ "لا تغِر من الأشرار، ولا تحسد عُمّال الاثم فإنّهم مثل الحشيش سريعًا يُقطَعون، ومثل العُشب الأخضر يذبلون" (مز37: 1، 2)..

    + لنتكلّم بهذه الأمور بصفة دائمة. يجب أن نتعلّم من هذه الكلمات الإلهيّة، لأنّ كلّ كلمة من هذه الكلمات تحوي معانٍ كثيرة لا حصر لها. نحن قد عَبَرنا عليها في عُجالة سريعة، لكن أنتم إن أردتم أن تفحصوا بدقّة ما قيل، سوف ترون غنىً وفيرًا. بل وأيضًا من المُمكن أن تتخلّص من الشهوات التي تهاجمك، وذلك عن طريق ما ذكرناه. لأنّه عندما لا تسمح لك كلمة الله أن تحسد، ولا حتّى تندم، ولا تتضايق بشكل غير لائق، وعندما لا تتركك ترى أنّ شيئًا في ذاته هو غِنى.. فلا الحُزن ولا الفقر يمكن أن يؤثِّر فيك، ولا أن تعتقد أنّ الحياة ذاتها تساوي شيئًا، فإنّه بهذا يكون قد خلّصك من كلّ الآلام والشهوات.

    + إذًا فلنشكر الله من أجل كلّ هذا، ولنستخدم الكنز (أي الكلمة الإلهيّة)، حتّى بالصبر والتعزية بما في الكُتُب يكون لنا رجاء (رو15: 4)، ونتمتّع بخيرات الدهر الآتي، التي ليتنا جميعًا ننالها.

[عن تفسير رسالة القديس بولس الرسول إلى أهل روميه - العظة 29 - إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائيّة - الترجمة عن اليونانيّة للدكتور سعيد حكيم يعقوب]