التجديف على الروح القدس
في تعليقه على كلمات السيّد المسيح للتلاميذ؛ "مَنْ قَالَ كَلِمَةً عَلَى ابْنِ الإِنْسَانِ يُغْفَرُ لَهُ، وَأَمَّا مَنْ جَدَّفَ عَلَى الرُّوحِ الْقُدُسِ فَلاَ يُغْفَرُ لَهُ"، كما جاء في (لو12: 10)، يقدّم لنا القدّيس كيرلس الكبير بابا الإسكندريّة الرابع والعشرين، تفسيرًا بسيطًا وجميلاً، يُسعِدُني أن أقتطف بعض فقرات منه في هذا المقال:
+ أيّ شخص لم يتعلّم بعد معنى سرّ المسيح، ولم يفهم أنّه -إذ هو بالطبيعة الله- قد وضع نفسه، ونزل إلى حالتنا وصار إنسانًا؛ ثمّ يتكلّم هذا الشخص بأيّ شيء ضدّ المسيح، ويُجَدِّف لحَدٍّ ما، ولكن ليس بدرجة الشرّ التي تُفقِده الغفران، فالله سوف يغفر لأولئك الذين أخطأوا عن جهل.
+ ولكي أوضِّح ما أعنيه بمثال، فإنّ المسيح قال في موضع ما: "أنا هو الخبز الحيّ النازل من السماء والمُعطي الحياة للعالم" (يو6: 51)، لذلك فبسبب أنّ البعض لم يعرِفوا مجده، بل ظنّوا أنّه إنسان، فإنّهم قالوا: أليس هذا هو ابن النجّار الذي نحن عارفون بأبيه وأمّه، فكيف يقول إنّي نزلت من السماء؟ (يو6: 42).
+ وفي مرّة أخرى، بينما كان واقِفًا يُعَلِّم في المجمع، حتّى تعجّب منه الجميع، لكنّ البعض قالوا: "كيف هذا يعرف الكتب وهو لم يتعلّم" (يو7: 15)، لأنّهم لم يكونوا يعرفون طبعًا أنّ "فيه مُذَّخَر كلّ كنوز الحكمة والعِلم" (كو2: 3). مثل هذه الأمور يُمكِن أن تُغفَر، إذ قيلَتْ بتهوُّر عن جهلٍ.
+ أمّا من جهة أولئك الذين قد جدّفوا على اللاهوت نفسه، فإنّ الدينونة مُحَتَّمَة والعقاب أبدي، في هذا العالَم وفي الآتي. لأنّه يقصِد بالروح هنا، ليس فقط الروح القدس، ولكن كلّ طبيعة الأُلوهة؛ وكما هو معروف إنّها طبيعة الآب والابن والروح القدس. والمُخَلِّص نفسه يقول في مكان ما: "الله روح" (يو4: 24). فالتجديف على الروح هو على كلّ الجوهر الفائق. لأنّه -كما قلتُ- إنّ طبيعة الأُلوهة كما أُعلِنَت لفهمنا، هي الثالوث القدّوس المسجود له، الذي هو واحد.
+ ليتنا إذن، كما يقول يشوع ابن سيراخ في حكمته: "نضع بابًا ومزلاجًا للّسان" (سي28: 25)، ونقترب بالأكثر نحو الله، ولنَقُل: "ضع يارب حافِظًا لفمي، وبابًا حصينًا لشفتيّ، ولا تُمِلْ قلبي إلى كلام الشرّ" (مز140: 3س). لأنّ تلك التجاديف هي كلمات رديئة ضدّ الله. وهكذا إن كُنّا نخاف الله حقًّا، فالمسيح سوف يباركنا.
[عن تفسير إنجيل لوقا للقدّيس كيرلّس السكندري (عظة 88) - إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائيّة - ترجمة الدكتور نصحي عبد الشهيد]