من كنوز القديس كيرلس السكندري (90)

               دَفْع الجزية لقيصر

    كان رؤساء كهنة اليهود والكتبة يريدون إلصاق أيّ تُهمة بالربّ يسوع، حتّى يستطيعوا أن يحاكموه ويقتلوه، فأرسلوا جواسيس لكي يصطادوه بكلمة، ويسألوه "أيجوز لنا أن نُعطِيَ جزيةً لقيصر، أم لا؟ (لو20: 19-26). وعلى الرغم أنّ المسيح أجابهم بحكمة شديدة: "أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله"، إلاّ أنّ اليهود وقفوا بعد ذلك أمام بيلاطس متّهمين المخلّص بأنّه يَمنَع أن تُعطَى جزية لقيصر (لو23: 2)!

    يُعَلِّق القدّيس كيرلّس الكبير على هذه الحادثة العجيبة بكلمات بديعة، فيقول:

    + ها هُم يتآمرون على موته، هذا الذي صار إنسانًا لكي يُبطِل الموت. والسبب الوحيد الذي منع جسارتهم الوقِحة يوضِّحه لنا الإنجيلي الحكيم بقوله: "أنّهم خافوا الشعب" (لو20: 19).. لا توجَد عندهم أيّ مشاعر تَقوَى نحو الله يمكن أن تضبطهم. والوصيّة التي أُعطِيَت بواسطة موسى، والتي تقول بوضوح: "لا تقتل البريء والبار" (خر23: 3) لا تَضَع لجامًا يمنع عنفهم، إذ هم يراعون مخافة الناس أكثر من مخافة الله!

    + كان عليهم أن يَقبَلوا الذي يدعوهم للخلاص، وأن يُكرِموا بالإيمان ذاك الذي يُبَرِّر الفاجر، الذي يغفر ويحلّ من كلّ إثم، وبنعمته -التي لا تَذكُر الشرّ- يُخَلِّص أولئك الواقعين في شِراك الخطايا.

    + أمّا هؤلاء القوم المجترِئون القُساة، إذ كانوا متأهّبين للشرّ فقط، فلم يُبدوا أيّة رغبة نحو التوبة والرجوع، ولكن بذهنهم المملوء بمكر الشيطان، لجأوا إلى المكائد الشرّيرة. لقد أخذوا يُحِيكون شِراكًا للمسيح، ويخترعون مَصيَدة ليجدوا عِلّةً ضدّه..

    + هؤلاء الناس ينتحِلون لأنفسهم سُمعة الصلاح، ويتظاهرون بأنّهم أبرار، كَمَن يستعير قِناعًا، بينما هُم في الحقيقة أشرار عادِمو الأخلاق، وقلبهم ممتلئ من المرارة والإثم وكلّ كلام كذب. لقد تظاهَروا بأنّهم أبرار ولُطَفاء، وتخيّلوا أنّه يُمكِنهم أن يَخدَعوا هذا الذي يعرف الأسرار والخبايا!

    + ربّما يكونون قد نسوا الله الذي يقول: "مَن ذا الذي يُخفي قصدَه، ويُغلِق على كلماته في قلبه، ويظُنّ أنّه يُخَبِّئها عنّي؟" (أي42: 3 سبعينيّة). كما يقول سليمان: "الهاوية والهلاك مكشوفان أمام الربّ، كم بالحريّ أفكار الناس" (أم15: 11س).

    + ها هم يخاطبونه بكلماتٍ رقيقة، وهم مثل وحوشٍ كاسرة في ثياب حملان. إنّ مثل هؤلاء هم الذين يوبِّخهم داود النبيّ بقوله: "كلماتهم أليَن من الزيت، وهي سيوفٌ مسلولة" (مز54: 21س).

    + قد كان هدفهم من هذا.. أن يُسَلِّموه إلى حُكم الوالي، لأنّهم توقَّعوا أن يسمعوه يقول: بالتأكيد إنّه لا يجوز أن تُعطَى جزية لقيصر. ولكن كيف تَغَلّب المسيح على مكرهم؟ قال لهم: "أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله"!

    + الحُكّام القائمون على حُكم الشعوب، من عملهم أن يفرِضوا ضريبةً من المال على رعاياهم، أمّا الله فلا يَبْغِي شيئًا من الأشياء القابلة للفساد، الزائلة، ولكن يريد بالأحرى الطاعة والخضوع؛ يريد الإيمان والمحبّة والرائحة الحلوة التي للأعمال الحسنة. كان من الواجب على بني إسرائيل أن يُقَدِّموا هذه الأشياء للربّ، ولكنّهم كانوا مُهمِلين، ويزدرون بهذه الأمور ويحتقرونها!

    + قد تعجّبوا من إجابته، وكان هذا أمام جميع الشعب، أي أمام شهود كثيرين، ومع ذلك -وكأنّهم قد تناسوا هذه الأمور- فعندما قادوا يسوع إلى بيلاطس فإنّهم أتوا بنفس هذا الاتهام عليه، لأنّهم قالوا: "وجدنا هذا الرجل يُفسِد الأمّة، ويمنع أن تُعطَى جزية لقيصر" (لو23: 2)!

    + ماذا قال المُخَلِّص عنهم بصوت المُرَنِّم: "لأنّهم بلا سبب أخفوا لي هلاك شبكتهم، بلا سبب عيّروا نفسي، لتأتِهِم التهلكة وهم لا يعلمون، ولتُمسِكهم الشبَكة التي أخفوها لي، وليقعوا في فخّهم نفسه" (مز34: 7-8س). إنّهم حقًّا سقطوا؛ إذ لمّا سلّموا يسوع إلى بيلاطس، فإنّهم هم أنفسهم سلّموا أنفسَهم للهلاك، وأهلكهم العدو الروماني بالنار والسيف وأحرق كلّ أرضهم، حتّى الهيكل المجيد الذي كان بينهم.. كان هذا مجازاة تصرّفهم الأثيم نحو المسيح!

    + فلنتحاشَ بحرصٍ هذه الخطايا، ولنُكرِم بالإيمان كلمة الله، الذي من أجلنا صار إنسانًا، ولنكُن مجتهدين في تعظيمه بتسابيح لا تنقطع..

 [عن تفسير إنجيل لوقا للقدّيس كيرلّس السكندري (عظة 135) - إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائيّة - ترجمة الدكتور نصحي عبد الشهيد]