التواضع في حياة القديس القوي أنبا موسى

    دعوَتُنا كمسيحيين هي أن نكون على صورة المسيح إلهنا الوديع المتواضع القلب.. فهو الذي قال: "تعلّموا مني لأني وديع ومتواضع القلب. فتجدوا راحة لنفوسكم" (مت11). ولذلك يدعونا القديس بولس الرسول للسلوك كما يحقّ للدعوة التي دُعينا إليها.. "بكل تواضع القلب..." (أف4).

    التواضع هو أرض خصبة تستطيع أن تنمو فيها جميع الفضائل الأخرى.. فهو بالفِعل أرض حاملة للفضائل؛ كما يقول القدّيس يوحنّا الدرَجي. وهو أيضًا يُهَيِّئنا للامتلاء من نعمة الله، كما يقول القديس مار إسحق السرياني: "إنّ الأعمال الصالحة والتواضع يُصَيِّران الإنسان إلهًا على الأرض".

    في الحقيقة إنّ التواضع هو هِبة ونعمة من الله.. لذلك يجب أن نطلبه بلجاجة شديدة. ومن المهمّ أن نفهم ونتوقَّع أنّ الله سيسمح لنا ببعض الآلام أو الإهانات أو الظلم، لكي تتّضع نفوسنا.. فلا يجب أن نقلق، بل نقبل كلّ ما يأتي علينا برضى وشكر. حينئذٍ تبدأ نعمة الاتضاع في الدخول إلى نفوسنا، ويمتلئ قلبنا بسعادة وسلام الحضور الإلهي على الدوام.

    هناك مُميِّزات واضحة في الإنسان المتواضع، أحاول في هذا المقال أن أعرض بعضها مع الإشارة إلى هذه الملامح في حياة القدّيس القوي أنبا موسى الأسود:

    أوّلاً: المتواضع صورة حلوة للمسيح.. فهو إنسان ممتلئ بالنعمة ويرتسم عليه نور وجه الرب.

    حَدَث في مرّة أنْ سأل تلاميذ القدّيس باخوميوس معلِّمَهم أن يحكي لهم عن إحدى الرؤى أو المناظر الإلهية التي يراها، فأجاب: "إنّ خاطئ مِثلي لا يَرى إعلانات سماوية.. أمّا إذا أردتم أن تُبصِروا منظرًا إلهيًّا، فابحثوا عن إنسان متواضع القلب وطاهر، وأفضل من هذا المنظر لا تطلبوا.

    كان القديس أنبا موسى صورة حلوة أيضًا للمسيح، في حياته وسلوكه وكلماته، حتّى أنّه صار جذّابًا لكثيرين، أتوا من كلّ مكان ليتتلمذوا على يديه، بعد أن أسرهم بمحبّته وبشاشته وقدوته.

    ثانيًا: المتواضع قوي جدًّا.. لأنّه متّكل على الله، بعكس المتكبِّر الذي يقف وحيدًا بدون نعمة الله فيصير ضعيفًا مهما كانت إمكانياته، أمّا المتواضع فهو جبّار لأنّه يملِك كلّ إمكانيات الله.

    أتت الشياطين ذات يوم للقديس مقاريوس الكبير وهي تصرخ في وجهه: لقد أتعبتنا.. أنت تصوم ونحن لا نأكل، أنت تسهر ونحن لا ننام، أنت تسكن البراري ونحن أيضًا.. ولكنّك بشيءٍ واحد تغلبنا. حينئذٍ قال القديس مقاريوس: وما هو؟ أجابوه: إنه تواضعك.. الشيء الوحيد الذي به تتفوّق علينا وتغلبنا. فبسط القديس يديه للصلاة فاحترقت الشياطين واختفت.

    هكذا كان القدّيس أنبا موسى قويًّا جدًّا في توبته، وفي محبّته، وفي احتماله للتعب، وفي خدمته للآخَرين.. إذ كانت قوّته نابعة من المسيح الساكن فيه، والذي اتّكل عليه بكلّ قلبه!

    ثالثًا: المتواضع يستريح فيه روح الله، ويتّخذه مسكنًا له..

    يُحكَى عن الأب زكريا الذي تربّى وهو صغير في البرّيّة مع والده أنبا قاريون، أن رآه في مرة القدّيس موسى الأسود وهو يصلي بجوار البئر وهو ممتلئ من روح الله، فاقترب إليه أنبا موسى سأله: يا أبتاه قُلْ لي ماذا أصنع لكي أخلُص؟ فسجد القديس زكريا عند قدميّ أنبا موسى وقال له: يا أبي أتسألني أنا؟! فأجاب أنبا موسى: صدِّقني يا ابني زكريا أنّي أبصرتُ روحَ الله حالاًّ عليك، ولذلك أسألك. فتناول القدّيس زكريا قلنسوته من على رأسه ووضعها عند رجليه وداسها، ثم رفعها ووضعها ثانية فوق رأسه وقال: إن لم يَصِرْ الراهب هكذا مُنسِحِقًا متواضعًا فلن يخلُص!

    وفي حياة القدّيس أنبا موسى، نرى من خلال تلمذته للقدّيس إيسيذوروس باتّضاع، ومن خلال خدمته الباذلة للآخَرين، وحُسن ضيافته للغرباء، ومن خلال أقواله المنيرة، وأبوّته الناجحة، كيف كان متّضعًا ومملوءًا من روح الله.

    رابعًا: المتواضع يفلت من الشياطيـن، فلا تستطيع أن تقهره..

    فإنّ الشيطان متكبر ولا يستطيع أن ينحني، فعندما نتضع نحن وننحني نكون بذلك قد بعُدنا عن متناول يده!

    حدث ذات يوم أن رأى الأنبا أنطونيوس فخاخ الشياطين منصوبة على كلّ الأرض، فتنهد في قلبه وقال: آه يارب.. مَن يستطيع أن يفلت من هذه؟ فسمع صوتًا يقول له: المتواضعون يفلتون!

    هكذا كان القدّيس أنبا موسى يجاهد بتواضع، متّكلاً على نعمة الله، فغلب الشياطين، ونما في النعمة!

    خامسًا: المتواضع لا يدين أحدًا ولا يتدخّل فيما لا يخصّه..

    الحقيقة أنّ الإنسان المتواضع الذي ينكر نفسه، لا يكون لديه ما يدين به الآخَرين!

    وطبعًا كلّنا نتذكّر قصّة أنبا موسى، عندما دعوه لمحاكمة أحد الرهبان، أنّه ذهب إليهم حاملاً كيسًا كبيرًا من الرمل، به ثقب صغير، حتّى يُعَبِّر عن عدم رغبته في إدانة أحد والتشهير بأخطائه، في حين أنّ خطاياه الشخصيّة تنساب من ورائه دون أن يلاحظها! وهو في ذلك يذكّرنا بوصيّة ربّنا يسوع الغالية: "لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا.. لِمَاذَا تَنْظُرُ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ، وَأَمَّا الْخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلاَ تَفْطَنُ لَهَا؟" (مت7: 1-5).

    سادسًا: المتواضع يحتمل الأتعاب والإهانات والظلم، ولا يردّ الشرّ بالشرّ..

وهو في هذا يتشبّه بسيّده الذي قيل عنه في النبوءات أنّه: "ظُلِمَ، أمّا هو فتذلّل ولم يفتح فاه" (إش53: 7).

    هكذا نجد في حياة القديس أنبا موسى العديد من المواقف التي احتمل فيها التحقير والظلم، متقبِّلاً إيّاها بتواضع، ومُعتبِرًا أنّ هذا السلوك هو شهادة عظيمة للمسيح، وقد اعتاد أن يقول: "لنتحمَّل السَّبّ والتعيير لنتخلَّص من الكبرياء.. وإذا تقبّل الإنسان الزَّجر والتوبيخ، فإنّ ذلك يولِّد له التواضُع".

    بركة صلوات القدّيس القوي الأنبا موسى الأسود تكون معنا جميعًا. آمين.