من كنوز القديس كيرلس السكندري (89)
تَفَاعُل اليهود مع مَثَل الكَرم والكرّامين
بعد أن قال الربّ يسوع للجموع مَثَل الكرم والكرّامين الأردياء (لو20: 9-18)، الذين رفضوا أن يُقَدِّموا من ثمر الكرم لصاحب الكرم، بل أهانوا عبيده الذين أرسلهم، ثمّ تجرّأوا أن يقتلوا ابنه الحبيب عندما أرسله لهم أيضًا، حتّى اضطر صاحب الكرم أن ينزع عنهم الكرم ويُهلِكهم، ثمّ يُسَلِّم الكرم إلى كرّامين جُدُد يعطون ثماره في حينها.. أحسّ معلّمو اليهود أنّ السيّد المسيح قد قال هذا المَثَل عنهم، فاعترضوا على الكلام بشِدّة، ولكنّ الربّ استطرد وربط كلامه بالحديث عن نبوءات هامّة موجودة في سفر المزامير وسِفر إشعياء..
هُنا يستمرّ القدّيس كيرلّس الكبير في تعليقه على حديث الربّ يسوع، فيقول:
+ ماذا قال الكتبة والفرّيسيّون -إذن- لَمّا سمعوا المثل؟ قالوا: حاشا. ومِن هذا يمكن أن نلاحظ أنّهم قد فهموا المغزى العميق له، فإنّهم دَفَعوا عن أنفسهم الأهوال الوشيكة أن تحدُث، وكانوا خائفين من الخطر الآتي، ولكنّهم مع ذلك لم يفلتوا منه، لأنّهم لم يتخلّوا عن عصيانهم، ولم يخضعوا لكي يؤمنوا بالمسيح.
+ إنّ المسيح "نظر إليهم وقال: إذن، ما هو هذا المكتوب، الحجر الذي رفضه البنّاؤون هو قد صار رأس الزاوية. كلّ مَن سقط على هذا الحجر يترضَّض، ومَن سقط هو عليه يسحقه".
+ رغم أنّ المخلِّص كان حَجَرًا مختارًا، إلاّ أنّه قد رُفِضَ من أولئك الذين كان واجبهم هو أن يبنوا مجمع اليهود بكلّ ما كان نافِعًا للبناء؛ إلاّ أنّه مع ذلك قد صار رأسَ الزاوية.
+ الكتاب المقدّس يُقارِن جَمْعَ الشعبين معًا -أي إسرائيل والأمم- وربْطَهما معًا، بالزاوية، التي تربط جدارَين. لأنّ المُخَلِّص قد خلق الشعبين إنسانًا واحدًا جديدًا صانِعًا سلامًا، وصالح الاثنين في جسد واحد مع الآب (أف2: 15-16).
+ هكذا فإنّ العمل يُشبِه الزاوية التي تربط حائطين، أي تُمسِكهما معًا. وهذه الزاوية نفسها، أو جمْع الشعبين معًا إلى واحد، هذا ما تعجّب منه المغبوط داود وقال: "الحجَر الذي رذله البنّاؤون هو قد صار رأس الزاوية. مِن قِبَلِ الربّ صار هذا، وهو عجيب في أعيننا" (مز117: 22 سبعينيّة). لأنّ المسيح -كما قلتُ- قد ربط الشعبين معًا برُبُطِ المحبّة، وباتّحاد المشاعر، ووِحدة الإيمان.
+ الحجر يكون إذن أمانًا للزاوية التي تُصنَع منه، ولكنّه يكون هدمًا وتدميرًا لأولئك الذين ظلّوا منفصلين عن هذا الاتحاد العقلي والروحي.. فجموع اليهود عندما عثروا في المسيح، وسقطوا عليه فإنّهم ترضّضوا، لأنّهم لم يسمعوا صوت إشعياء القائل: "قدِّسوا الربَّ نفسه فيكون خوفكم، ولا تصطدموا به مثل صخرة عثرة أو حجر صدمة" (إش8: 13-14 سبعينيّة). لذلك فإنّ الذين لم يؤمنوا انكسروا، أمّا نحن الذين آمَنّا به، فإنّه قد باركنا.
[عن تفسير إنجيل لوقا للقدّيس كيرلّس السكندري (عظة 134) - إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائيّة - ترجمة الدكتور نصحي عبد الشهيد]